أحمد بن علي القلقشندي
293
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
إظهارا للحرب على الظافر ، ودخل القاهرة على ذلك ، فكان ذلك من الفأل العجيب ، وهو أن مصر انتقلت إلى بني العباس بعد خمسة عشرة سنة ، ورفعت راياتهم السّود بها . وأما تولية الملوك عن الخلفاء ، فكان الحال فيه مختلفا باعتبار السلطان بحضرة الخلافة وغيره ، فإن كان الذي يوليه الخليفة هو السلطان الذي بحضرة الخلافة ، كبني بويه وبني سلجوق وغيرهم ، فقد حكى ابن الأثير وغيره أن السلطان طغرلبك بن ميكائيل السّلجوقيّ لما تقلد السلطنة عن « القائم بأمر اللَّه » ( 1 ) في سنة تسع وأربعين وأربعمائة ، جلس له الخليفة على كرسيّ ارتفاعه عن الأرض نحو سبعة أذرع ، وعليه البردة ، ودخل عليه طغرلبك في جماعة ، وأعيان بغداد حاضرون ، فقبّل طغرلبك الأرض ويد الخليفة ، ثم جلس على كرسيّ نصب له ، ثم قال رئيس الرؤساء وزير الخليفة عن لسان الخليفة : « إن أمير المؤمنين قد ولَّاك جميع ما ولَّاه اللَّه تعالى من بلاده ، وردّ إليك أمر عباده ، فاتق اللَّه فيما ولَّاك ، واعرف نعمته عليك » ثم خلع على طغرلبك سبع جبّات سود بزيق واحد ( 2 ) ، وعمامة سوداء ، وطوّق بطوق من ذهب ، وسوّر بسوارين من ذهب وأعطى سيفا بغلاف من ذهب ، ولقبه الخليفة ، وقريء عهده عليه فقبل الأرض ويد الخليفة ثانيا وانصرف ، وقد جهّز له فرس من إصطبلات الخليفة بمركب من ذهب مقندس فركب وانصرف إلى داره ، وبعث إلى الخليفة خمسين ألف دينار ، وخمسين مملوكا من
--> ( 1 ) هو القائم بأمر اللَّه بن القادر باللَّه ، بويع بالخلافة سنة 422 ه وتوفي سنة 467 ه وفي أيامه انقرضت دولة الديلم من بغداد وقامت دولة السلجوقية . وكان آخرهم الملك الرحيم من ولد عضد الدولة . دخل عليه بغداد طغرلبك السلجوقي ، وهو أول السلجوقية ، فقبض عليه ، فتوسط له القائم بأمر اللَّه وطلب من طغرلبك إطلاقه ففعل . وقد تسلَّط بنو بويه على الحكم من سنة 334 ه إلى 447 ه . أما السلاجقة أو الأتابكة فقد أفل نجمهم بموت السلطان مسعود سنة 547 ه . ( فوات الوفيات : 2 / 157 وتاريخ الإسلام : 3 / 37 إلى 41 و 4 / 60 ) . ( 2 ) الزيق : ما أحاط بالعنق من القميص . ( القاموس : 3 / 251 ) .